التركيب الذري
التركيب الذري
الذرة
التركيب الذري
تتكوّن جميع المواد في الطبيعة من عنصر واحد أو أكثر من العناصر الكيميائية، ويُسمّى أصغر جزء من العنصر يحتفظ بخواصه الفيزيائية والكيميائية بالذرّة. وقد تطوّر مفهوم الذرّة عبر التاريخ العلمي، بدءًا من التصور الفلسفي عند ديموقريطس، مرورًا بنظرية جون دالتون في القرن التاسع عشر، وصولًا إلى النموذج النووي الذي اقترحه إرنست رذرفورد عام 1911.
تتكوّن الذرّة من نواة مركزية موجبة الشحنة تحتوي على البروتونات (موجبة الشحنة) والنيوترونات (متعادلة الشحنة)، وتتركّز فيها معظم كتلة الذرّة، بينما تدور حولها إلكترونات سالبة الشحنة في مستويات طاقة مختلفة. يحمل الإلكترون شحنة كهربائية مقدارها 1.6 × 10⁻¹⁹ كولوم، وهي تُعد وحدة الشحنة الأساسية في الطبيعة. وقد قاس روبرت ميليكان هذه الشحنة بدقة في تجربة قطرة الزيت الشهيرة. تبلغ كتلة الإلكترون نحو 9.11 × 10⁻³¹ كغ، وهي صغيرة جدًا مقارنة بكتلة البروتون أو النيوترون، لذلك يمكن إهمالها نسبيًا عند حساب الكتلة الكلية للذرّة.
وفق النموذج الذي وضعه نيلز بور عام 1913، تتحرك الإلكترونات حول النواة في مستويات طاقة محددة وليست عشوائية. وقد نجح نموذج بور في تفسير طيف ذرة الهيدروجين. تُسمّى مستويات الطاقة بالأغلفة الإلكترونية، ويرمز لها بالحروف K و L و M و N، حيث يمثل الحرف K المستوى الأول (n=1)، وL المستوى الثاني (n=2)، وهكذا. ويُحدد الحد الأقصى لعدد الإلكترونات في كل مستوى بالعلاقة 2n²، حيث n هو رقم المستوى الرئيسي. فعلى سبيل المثال، يستوعب المستوى الأول إلكترونين، والثاني ثمانية إلكترونات، والثالث ثمانية عشر إلكترونًا.
يرجع استقرار هذا الترتيب إلى قوى الجذب الكهروستاتيكية بين النواة الموجبة والإلكترونات السالبة. أما الإلكترونات الموجودة في المستوى الأخير فتُسمّى إلكترونات التكافؤ، وهي المسؤولة عن التفاعلات الكيميائية وتحديد خصائص العنصر، لأنها الأضعف ارتباطًا بالنواة والأكثر تأثرًا بالعوامل الخارجية. وقد ساهم جيلبرت لويس في تفسير الروابط الكيميائية من خلال مفهوم إلكترونات التكافؤ.
في الحالة المستقرة تشغل الإلكترونات المستويات الأقرب إلى النواة لأنها أقل طاقة. ولكن عند تزويد الذرّة بطاقة، سواء بالتسخين أو التشعيع، يمكن أن ينتقل إلكترون إلى مستوى طاقة أعلى فيما يُعرف بحالة الإثارة، أو قد يتحرر تمامًا من الذرّة في عملية تُسمّى التأين. وعندما تعود الذرّة من الحالة المثارة إلى الحالة المستقرة، ينتقل الإلكترون من مستوى طاقة عالٍ إلى مستوى أقل، ويصدر الفرق في الطاقة على شكل فوتون (كمّ من الضوء). وتُفسر هذه الظاهرة الخطوط الطيفية للعناصر، والتي تُستخدم في التحليل الطيفي لتحديد تركيب المواد وحتى تركيب النجوم.
بالنسبة لذرة الهيدروجين، تُعطى طاقة المستوى الرئيسي n بالعلاقة:
En = -13.6 / n² إلكترون فولت
حيث En تمثل طاقة المستوى و n هو رقم المستوى. تشير الإشارة السالبة إلى أن الإلكترون مرتبط بالنواة، وأنه يحتاج إلى طاقة موجبة للتحرر منها.
تبلغ أبعاد الذرّة تقريبًا 1 × 10⁻⁸ سم، بينما يبلغ نصف قطر النواة نحو 1 × 10⁻¹³ سم، وهذا يعني أن معظم حجم الذرّة فراغ. وقد أثبتت تجارب تشتت جسيمات ألفا التي أجراها رذرفورد هذه الحقيقة، إذ أظهرت أن الكتلة والشحنة الموجبة متركزة في حيز صغير جدًا داخل الذرّة.
مع تطوّر العلم، ظهر النموذج الكمي الحديث للذرّة، حيث لم يعد يُنظر إلى الإلكترونات على أنها تدور في مدارات دائرية ثابتة كما في نموذج بور، بل توجد في مناطق احتمالية تُسمّى الأفلاك (Orbitals). وقد ساهم في تطوير ميكانيكا الكم علماء مثل ماكس بلانك وألبرت أينشتاين وإرفين شرودنغر وفيرنر هايزنبرغ. ووفق معادلة شرودنغر، يوصف الإلكترون بدالة موجية تحدد احتمال وجوده في منطقة معينة حول النواة، وليس مسارًا محددًا كما في النموذج الكلاسيكي.
يمكن تلخيص تركيب الذرّة في النقاط الآتية:
معظم حجم الذرّة فراغ.
تتركّز كتلتها في نواة صغيرة موجبة الشحنة.
الإلكترونات جسيمات صغيرة جدًا ذات كتلة ضئيلة مقارنة بالنواة.
تتحرك الإلكترونات في مستويات طاقة محددة.
لا يشع الإلكترون طاقة ما دام في مستوى طاقته الثابت.
يشع أو يمتص طاقة عند انتقاله بين المستويات.
الفرق في الطاقة يظهر على شكل فوتونات.
المصادر:
موسوعة Encyclopaedia Britannica.
موقع NASA التعليمي.
موقع HyperPhysics التابع لجامعة ولاية جورجيا.
كتب الفيزياء الحديثة والكيمياء العامة الجامعية.
✍️ محمد زيد الكيلاني

تعليقات